الشنقيطي

295

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الأمصار المعروفين . وإنما لم يقولوا بذلك لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه اللّه عن مشابهة خلقه ، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه اللّه لا داعي لصرفها عنه كما ترى . ولأجل هذا كله قلنا في مقدمة هذا الكتاب المبارك ، إن اللّه تبارك وتعالى موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازا ، لأنا نعتقد اعتقادا جازما لا يتطرق إليه شك ، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها ، لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال . وإثبات التنزيه والكمال والجلال للّه حقيقة لا مجازا لا ينكره مسلم . ومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة ، ونفي المجاز ، كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها ، وأنها كلها مجازات . وجعلوا ذلك طريقا إلى نفيها ، لأن المجاز يجوز نفيه ، والحقيقة لا يجوز نفيها . فقالوا مثلا : اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة أو الجود ، فنفوا صفة اليد ، لأنها مجاز . وقالوا على العرش استوى : مجاز فنفوا الاستواء ، لأنه مجاز . وقالوا : معنى استوى : استولى ، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق . ولو تدبروا كتاب اللّه ، لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء ، وتبديل اليد بالقدرة ، أو النعمة ، لأن اللّه جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 59 ) [ البقرة : 59 ] . ويقول في الأعراف فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ ( 162 ) [ الأعراف : 162 ] فالقول الذي قاله اللّه لهم ، هو قوله حطة ، وهي فعلة من الحط بمعنى الوضع خبر مبتدأ محذوف أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا أي حط ووضع لها عنا فهي بمعنى طلب المغفرة ، وفي بعض روايات الحديث في شأنهم أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونا فقط فقالوا حنطة وهي القمح « 1 » . وأهل التأويل قيل لهم على العرش استوى . فزادوا لا ما فقالوا استولى .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة أحمد في المسند 2 / 312 .